الأوديسة بين إبهار الصورة وروح النص

٢٠٢٦/٨/١٩م
د. عاصم منصور
حين يسترد فيلم خلال أسبوعه الأول ميزانيته الكاملة البالغة 250 مليون دولار، يتحوّل الحديث عنه من نقد سينمائي إلى تأمّل في ظاهرة متعددة الجوانب. وهذا بالضبط ما فعله «الأوديسة»، أحدث أعمال المخرج البريطاني كريستوفر نولان، الذي حقّق نحو 800 مليون دولار حتى ساعة كتابة هذا المقال، متجاوزا جميع أفلامه السابقة، وهو إنجاز لافت لملحمة حربية قديمة قُدمت سينمائيا مرارا حتى ظننا أنها استنزفت دراميا، إلى أن أعادها نولان إلى الواجهة بثوب عصري مبهر بصريا.
الفيلم، المقتبس عن الملحمة المنسوبة لهوميروس- وإن كان بعض المؤرخين يشكك في نسبها-، يتتبع رحلة عودة أوديسيوس إلى إيثاكا بعد حرب طروادة، عبر عالم من الوحوش والآلهة والإغراءات، شهد تزاحما كبيرا في دور العرض، واحتفى به النقاد والكتّاب، ومنحته المواقع المتخصصة تقييمات غير مسبوقة.
وهذه ليست المرة الأولى التي تستدعى فيها الملحمة إلى الشاشة؛ فحضورها السينمائي يمتد أكثر من قرن، فحين يعود نولان إلى النص نفسه، فهو لا يبدأ من فراغ، بل يدخل طرفا جديدا في حوار طويل تخوضه السينما منذ أكثر من قرن مع نص واحد لم يكف يوما عن إغراء صانعي الأفلام.
لكن في خضمّ هذا الاحتفاء الكبير، برز صوت نقدي لاذع من مجلة «الإيكونومست»، التي وصفت الاقتباس بأنه «سخيف جدًا» وعدّته «خطأً ملحميا». وجوهر حجتها أن الفيلم، من مشاهده الخارجية إلى بنيته النفسية، يصور الغرب المعاصر أكثر مما يصور اليونان القديمة؛ فقد أُعيدت صياغة هوميروس ليتحوّل إلى ما يشبه مشاحنات مواقع التواصل الاجتماعي، وإلى عملاق كاريكاتيري، حتى غدت المأساة الحقيقية هي مأساة هذا التبسيط نفسه.
في المقابل، يطرح البروفيسور أرماند دانغور، أستاذ اللغات والآداب الكلاسيكية في جامعة أكسفورد، قراءة أكثر ترويا، حيث يرى أن نولان لم يسع إلى الإمساك بكل ما يجعل الملحمة خالدة، من حنين أوديسيوس إلى الوطن، وبراعته اللغوية، وفكرة الخديعة بوصفها بطولة، بل انتقى المغامرة المركزية ونفخ فيها ليصنع فيلم حركة بمؤثراتٍ باهرة، موجها إلى جمهور تربى على الفانتازيا والرعب ومشاهد القتال الدامية، لا على الأدب اليوناني وبنيته السردية المركّبة.
وفي رأيي، الفيلم مبهر بصريا، مثقل «بالصنعة» وبالمؤثرات المتقنة المنبثقة من روح هذا العصر، لكنه ابتعد عن روح ملحمة هوميروس التي تتمثل بثنائية المنفى والحنين إلى الوطن الذي يفضل البطل الفناء فيه على الخلود الموعود في المنفى. فقد افتقر إلى العمق النفسي للشخصيات، التي بدت مصطنعة وغير مقنعة، وكأنها قدمت من عالم الألعاب الإلكترونية لا من الميثولوجيا الإغريقية، وقدّم أوديسيوس وكأنه أحد أبطال المصارعة الأميركية، تتقدّم عنده العضلات المفتولة على الذكاء والحيلة وروح الفكاهة.
وبما أن الفيلم مصنوع بروح عصرية فلم يخلُ النقاش حوله من إحدى أبرز آفات عصرنا، وأقصد هنا العُنصرية، فقد أخذ بعض المصابين بلوثتها في اليونان وخارجها على نولن أن يعهد بلعب دور هيلين الطروادية إلى ممثلة ذات بشرة سمراء مما رأوا فيه خدشا لنقائهم العرقي.
ولا يبدو الخلاف حول «الأوديسة» خلافا سينمائيا بحتا، فالملحمة نفسها أُعيدت كتابتها وتأويلها في كل حقبة على صورة زمانها، منذ أن حملها الأدب الغربي على عاتقه. وما تراه «الإيكونومست» تشويهًا معاصرا، وما يعده دانغور صنعة بارعة لا تمت إلى الروح «الأوديسية» بصلة، وما أراه إعادة تدوير لنص غربي حيّ، ليست سوى أذواق فنية متعددة، ولولا تعددها لكسد الفن. لكن يبقى نجاح نولان التجاري الكاسح ورقة رابحة بيد صاحب الرؤية الشخصية، فالجمهور الذي بهر بهذا العمل ومنحه الشرعية ما زال مستعدا لأن يبحر، ولو على متن سفينة يختلف الجميع على وجهتها.