السرطان من مسافة صفر عندما تخون الخلايا جراح جديد ينضم للفريق

في عام 2015 بدأ مركز الحسين للسرطان بالتواصل مع الشركة التي كانت تحتكر صناعة الروبوت الجراحي،وكانت صدمتنا كبيرة عندما بدأت الشركة بالمماطلة،رغم أننا قمنا بتلبية كافة متطلباتهم سواء من حيث الملاءة المالية ،أو الفنية ،أو عدد الحالات المتوقعة ،وقمنا بالضغط عليهم من خلال شركائنا العالميين ،الا أن جواب الشركة جاء متعنتاً مصرحين بعدم رغبتهم بالتوسع في أسواق جديدة.ولم يكن أمامنا وقتها إلا أن نقبل بالأمر الواقع ونبتلع مرارة الفشل،فهذه الشركة الأمريكية قامت باحتكار السوق،بل عمدت إلى شراء وقتل كل مشروع واعد وأصبحت تتحكم بالسوق ،تمنح هذا وتمنع هذا ،وتملي الأسعار في ظل الطلب الكبير على منتوجها الثمين.

وجاءت الانفراج في عام 2020, عندها أعلنت شركة انجليزية عن البدء بطرح الروبوت الجراحي الخاص بها في السوق،فأبقينا أعيننا مفتوحة لترقب هذا الوليد الجديد ومدى كفاءته،وعندما تحققنا من قدراته بادرنا إلى التواصل مع الشركة،وكنا من أوائل من استخدمه،واليوم وعندما نطالع جدول العمليات اليومي ستجد مكاناً محجوزاً لهذا الجراح الجديد جنباً إلى جنب مع زملائه الجراحين من بني جلدتنا.

فما هو الروبوت الجراحي؟ وما هي فوائده ؟ وهل سيتمكن من أن يحتل مكان الجراحين في غرف العمليات ؟

تعود جذور الجراحة الروبوتية إلى أوائل الثمانينات من القرن الماضي،عندما تم إدخال اول روبوت إلى غرف العمليات وأطلق عليه حينئذ اسم «PUMA 560 وكان مجال تخصصه بعيدا جدا عن المجالات التي يستخدم فيها اليوم،وانحصر استخدامه في مجال جراحة الأعصاب.ولكن الانطلاقة الحقيقية لهذا النهج الجراحي الجديد لم تتحقق إلا في أواخر التسعينات حين قدمت شركة انتويتيف الأمريكية الروبوت الشهير الذي ذكرته سابقا،والتي اختارت له اسما تاريخياً «دافينشي»،ولم يخيب هذا الروبوت آمال من أطلقوا عليه هذا الاسم،اذ حقق نقلة نوعية في مجال الجراحة الروبوتية،التي امتدت لتشمل طيفاً واسعاً من أنواع الجراحات المختلفة،مثل جراحة الجهاز البولي،والهضمي والتناسلي،بالإضافة إلى جراحة الصدر والعنق.

لكن ما الذي جنيه من دخول هذا الجراح المكلف إلى غرف عملياتنا؟وهل هو مجرد لعبة تجذب الأنظار،أو أن له فوائد تسوغ كلفته العالية التي تتراوح ما بين ثلاثة إلى خمسة ملايين دولار أمريكي،فضلا عن كلفة المستهلكات الطبية المرافقة له ؟ويجمع الخبراء من جراحي الروبوت على أن الميزة الكبرى لهذا الجهاز هي الدقة الفائقة التي يقدمها.اذ يمكن للأذرع الروبوتية التحرك في نطاق يتجاوز مدى اليد البشرية،مما يتيح للجراحين إجراء عمليات دقيقة بشكل استثنائي،خاصة إذا كان المجال الجراحي ضيقاً،ويحد من حرية حركة أيدي الجراحين.

لذلك غالبا ًما ترتبط الجراحة الروبوتية بالاجراءات الجراحية الدقيقة،والقريبة من بعض الأعضاء الحيوية،مثل الأعصاب والأوعية الدموية.

كما أن الجراحة الروبوتية لا تستدعي عمل شق جراحي كبير،فالأذرع الروبوتية والكاميرات المصاحبة لها دقيقة وتحتاج فقط إلى فتحات صغيرة بإدخالها إلى الجسم،مما يخفف من الآلام التي تصاحب العمليات الجراحية،كما تسهم في تسريع عملية الشفاء،وهذا يعد تطوراً مهماً ينعكس بشكل إيجابي على جودة حياة المرضى مقارنة بالجراحة التقليدية.

كما يوفر نظام الجراحة الروبوتي للجراحين روية ثلاثية الأبعاد عالية الوضوح للحقل الجراحي،وهذا ما يتيح لهم فهماً أفضل وأشمل للوضع التشريحية للأعضاء،وقدرة على اتخاذ القرارات السليمة أثناء سير العمل الجراحي.

وبفضل دقة الأدوات المستخدمة في الجراحة الروبوتية وقدرتها على قطع الأوعية الدموية بشكل أكثر فعالية،غالباً ما يصاحب هذه الجراحات فقدان كميات أقل من الدم مقارنة بالأساليب الجراحية التقليدية.

لكن تبقى التكلفة العالية لهذه التقنية العقبة الرئيسة في وجه انتشارها على نطاق واسع.

وهناك مأخذ على استخدام الروبوت لدى بعض الجراحين في العمليات الجراحية وهو الافتقار للشعور بالتغذية اللمسية،فخلال العمليات الجراحية التقليدية يعتمد الجراحون في إزالتهم للأورام على استخدام أيديهم في جسم وتقييم طبيعة الورم،إذ يمكن لهم أن يشعروا بالأنسجة والأعضاء بين أيديهم،بينما تفتقر الجراحة الروبوتية إلى هذه الخاصية،وربما كان غياب الإحساس الفيزيائي سبباً في تعذر تقييم الأنسجة،والتفريق بينها من قبل الجراحين.

ولا شك أن هذه التقنية قد نقلت جراحة الأورام إلى مستوى آخر من الدقة،وساهمت في التخفيف من احتمالية حدوث مضاعفات،وسرعت من وتيرة شفاء المرضى،لكن ما تزال هنالك عقبة التكلفة المرتفعة التي تجعلها بعيدة عن متناول معظم دول العالم.ثم إن الوقت ما زال مبكرا جداً للحديث عن إمكانية أن تحل هذه الروبوتات محل الجراحين،وأن يثور الخادم على سيده!