عن ريال مدريد الذي خسر قبل انطلاق صافرة البداية

٢٠٢٦/٥/١١م
د. عاصم منصور

ثمة مقولة حول أهمية الثقافة المؤسسية تُنسب للمفكر الإداري الأميركي بيتر دراكر تقول: «الثقافة تلتهم الإستراتيجية على الإفطار»، أي أنه مهما كان لدينا من إستراتيجيات محكمة ورؤى ثاقبة فإنها سوف تفشل حتماً ما لم تواكبها ثقافة مؤسسية تؤمن بها وتدعمها. لكننا في كل مرة نقرأ هذه العبارة، فإننا نتجاوزها مسرعين نحو جداول البيانات ومؤشرات الأداء وخطط التوسع.

ما ذكرني بهذه العبارة ما أوردته وسائل الإعلام حول الوضع البائس الذي يسود غرفة الملابس في أحد أعرق أندية العالم، أقصد هنا ريال مدريد. ولن أتحدث عن المباريات فهذا ليس مجالي، لكن ما يجري في مدريد هذا الموسم من مشادات وصلت حد الاشتباك الجسدي بين اللاعبين، واتهامات بوجود «مخبر» يُسرّب أسرار غرفة الملابس، ولاعبين قرروا ببساطة أن يتوقفوا عن التواصل مع المدرب، يتخطى حدود الملعب.

تعود جذور هذه الأزمة إلى صيف 2024، حين أتمّ النادي صفقة كيليان مبابي، الذي يُعتبر أحد أهم المواهب الكروية، ليضمّه إلى نجمين متوهجين آخرين: فينيسيوس وبيلينغهام. ثلاثة لاعبين يحمل كل منهم عالماً كاملاً من «الإيغو» والتوقعات والمكانة التي اعتاد عليها ويرفض أن ينازعه عليها أحد. ولم يكن الخطأ في انتقاء هذه المواهب فهي بالفعل من ألمع نجوم هذا الجيل، بل في الاعتقاد بأن المواهب تكفي لتصنع فريقاً.

حين درست البروفيسورة أنيتا ألبيرس من جامعة هارفارد تجربة السير أليكس فيرغسون في مانشستر يونايتد، ونشرت استنتاجاتها في هارفارد بزنس ريفيو، وجدت نقيض ما يحدث في مدريد اليوم تماماً. فهو لم يلجأ إلى شراء النجوم جاهزة، بل شكلها من الطين. فأول ما فعله حين تسلّم النادي كان إنشاء أكاديميتين للناشئين، بينما كان الجميع يسخر منه ويتساءل: كيف للاعبين صغار أن يمنحوه الانتصارات المرجوة؟ غير أن هؤلاء الصغار صاروا عماد الفريق لأسباب لا علاقة لها بالمهارة وحدها، بل تشرّبوا ثقافة النادي ونشأوا على قيم الولاء والانتماء وكره الهزيمة.

أما مع النجوم، فكان موقفه عقيدة لا تتزعزع. فمن يرى نفسه أكبر من الفريق، يخرج بصرف النظر عن قيمته السوقية وحجم جماهيريته. وكان شعاره الخالد أن «اليوم الذي تسيطر فيه النجوم على أسلوب اللعب، هو نهاية الفريق.
«فعلى النقيض من ريال مدريد الذي بنى تشكيلته من الخارج إلى الداخل، حيث استقطب النجوم ثم أمل أن تنشأ بينهم الكيمياء، قام فيرغسون ببناء الفريق من الداخل إلى الخارج. فأسّس الثقافة أولاً، ثم أضاف المواهب بوصفها وقوداً للمنظومة القائمة، ومن ثم طعّم الفريق ببعض النجوم الذين لم يكن أمامهم إلا الانصهار في بوتقة الفريق. ما يجري في مدريد ليس حكراً على الرياضة، بل هو نمط تعرفه جميع المؤسسات التي مرّت بأزمة هوية. فحين تتكرر الخلافات العلنية بين المديرين، وتتسرب المعلومات الحساسة إلى الصحافة، ويؤثر الموظفون النميمة على الحوار المباشر مع رؤسائهم، فاعلم أنك لا تعاني من مشكلة فنية ولا من أزمة اقتصادية، بل من أزمة هوية وفراغ ثقافي.

وهذا الفراغ لا يُملأ بالغرامات ولا بإعادة الهيكلة ولا بالمستشارين، بل بقرارات مبكرة تبدأ باختيار عناصر الفريق وصهرهم في بوتقة ثقافية واحدة، ووضع ضوابط مؤسسية لدور النجوم تضمن لهم فرصة الإبداع والتألق، لكنها تحول دون تغولهم على الفريق.

لقد خلصت عشرات الدراسات التي جمعتها هارفارد عن مئات الشركات إلى أن الفرق متوسطة المهارة، لكنها تتشارك قيماً راسخة، تنجز ما يعجز عنه جمع من النجوم لا يوجد ما يجمعهم. فالنادي المدجج بالنجوم والأكثر تتويجاً في التاريخ لم يُهزم في الملاعب، بل هُزم في غرف ملابسه، وفي ثقافته.