مناطقنا العمياء

٢٠٢٦/٩/١٤م
د. عاصم منصور
يحدث لي في بعض الأحيان أن أتفاجأ من بعض ما ينشره أشخاص أعرفهم حيث يقومون بالوعظ والتنظير بينما لا يخفى على الجميع أنهم هم أنفسهم مصابون بما يأخذونه على غيرهم، فتراهم يكتبون عن التسامح وهم يفْجُرون في الخصومة، أو ينظرّون للنزاهة بينما تضجّ حياتهم بالتجاوزات، وأتساءل: ألا يدرك هؤلاء أن حقيقة صفاتهم مكشوفة للجميع؟ لكنّني أعود لنفسي أسألها ألا يمكن أن يكون هناك من يقرأ الآن ما أكتب ويطرح نفس السؤال؟.
ولفهم هذا الانفصام بين الذات المعلنة والذات الحقيقية، لا بد من العودة إلى أحد أهم النماذج السيكولوجية التي تشرح المعرفة الذاتية، وهي «نافذة جوهاري» وهو نموذج يقسّم شخصية الإنسان إلى أربع مناطق، لكن ما يهمنا هنا تحديداً، هو ما يسمّى بالمنطقة العمياء.
وهي تلك المساحة من صفاتنا وطباعنا ومساوئنا التي يراها الجميع بوضوح دون أن يبوحوا به، بينما تعمى علينا، فالشخص الذي ذكرته في مطلع المقال والذي يكتب بمثالية مستفزة، هو في الغالب لا يمارس كذباً متعمّداً بل هو يتحدث من داخل منطقته المنفتحة (ما يريد للناس أن يعرفوه عنه)، بينما سلوكه الفعلي يقع في منطقته العمياء، فنحن نرى تناقضه بوضوح لأننا نقف خارج دائرته، بينما هو يرى فقط الصورة الذهنية التي رسمها لنفسه.
تكمن المأساة في أننا جميعاً نمتلك مثل هذه المنطقة إذ إننا كبشر، نميل إلى الانحياز لمصالحنا الذاتية مما يجعلنا نفسر أخطاءنا كظروف عابرة، بينما نرى أخطاء الآخرين كعيوب شخصية متأصلة، لذا، فمن المحتمل جداً أن يرى الآخرون كلامنا المنمّق عن الفضيلة والصدق على منصات التواصل الاجتماعي، كنوع من النفاق أو الادعاء، بينما لا نراه نحن كذلك لأننا ببساطة عندما ننظر في المرآة لا نرى انعكاس صورتنا الحقيقية، بل تلك المشتهاة.
لقد ساهمت وسائل التواصل في تضخيم المنطقة العمياء لدينا، فبمجرد أن نكتب فكرة أخلاقية تقابل بالإعجاب والثناء ولو من باب المجاملة، يبدأ عقلنا الباطن بتصديق أننا نمتلك هذه الفضيلة فعلاً، وهذا النوع من «الإشباع الزائف» يجعلنا نتوقف عن مراجعة سلوكنا الواقعي، فنحن «أخلاقيون» لأننا نكتب عن الأخلاق، و»مثاليون» لأن جمهورنا يرى فينا ذلك أو يجاملنا به، فنبيع لأنفسنا هذه البضاعة الوهمية قبل أن نبيعها للآخرين.
إن إدراكنا لوجود تلك المنطقة التي يراها الناس ولا نراها هو أول خطوة نحو النضج النفسي، وفرصة لتقليص مساحة المنطقة العمياء لدينا. ولا يمكن لهذا التقليص أن يتحقق إلا حين نتوقف عن معاملة وسائل التواصل كمنصات لتلميع «الأنا»، وعندما نبدأ بالتعامل مع «رؤية الآخرين لنا» كمرآة، حتى لو كانت قاسية، فالشخص الذي نراه «عكس ما يكتب» هو في الحقيقة درس حيّ لنا يذكرنا بأن الكلمات سهلة، لكن التطبيق يتطلب شجاعة في مواجهة المنطقة العمياء.
قبل أن نسخر من مثالية أحدهم «الزائفة»، علينا أن نتذكر أننا جميعاً قد نكون «ذلك الشخص» في عين شخص آخر، فالحقيقة هي أننا لا نعرف أنفسنا كما يرانا العالم، والسبيل الوحيد للنجاة من فخ الادعاء هو أن نواجه أنفسنا بالسؤال الصعب: «هل أكتب لأكون حقاً هكذا، أم لأقنع نفسي والآخرين بأنني لست ما أنا عليه؟» إن نافذة جوهاري تخبرنا بوضوح أنه مهما كانت جدران «منطقتك المنفتحة» شفافة ومثالية كتاباتك عالية، فإن «منطقتك العمياء» ستبقى مكشوفة لكل عين تمر بجانبك.. إلا عينيك.