لقاح السرطان.. بين حقائق العلم وانتهازية الساسة

٢٠٢٥/٢/٢٤م

د. عاصم منصور
في الأشهر الأخيرة، أخذت المعركة العالمية ضد السرطان منحى سياسيا غير متوقع، عندما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن روسيا تعمل على تطوير لقاح مضاد للسرطان، وأثار هذا التصريح آمالا كبيرة لكنه قوبل بشيء من الشك.
وبعد ذلك بفترة وجيزة طالعتنا تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بأن تطوير لقاحات السرطان سيكون أولوية قصوى على أجندته الرئاسية، مما أضفى بعدا سياسيّا جديدا على هذا المجال الطبي.

تأتي هذه التصريحات لتسلط الضوء على ظاهرة متزايدة: ألا وهي تسييس الطب أو ما يسمى بالطب المُسيّس، وهي ظاهرة مقلقة عندما توظّف القضايا الصحية والطبية لتحقيق أهداف ومصالح سياسية على حساب المصلحة العلمية والإنسانية.

إن لقاحات السرطان ليست بالفكرة الجديدة، إذ تهدف هذه اللقاحات إما إلى الوقاية من السرطان لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة أو إلى علاج السرطان من خلال تحفيز جهاز المناعة لمهاجمة الخلايا السرطانية. ومع التقدم الكبير في تقنيات العلاج المناعي وتكنولوجيا الحمض النووي الريبي (mRNA)، تسارعت الأبحاث في هذا المجال. ومع ذلك، فإن تطوير لقاح شامل للسرطان يظل تحديا معقدا، ويعد من أبرز التحديات الصحية التي تواجه البشرية، بسبب تعدد أنواع السرطان واختلاف الطفرات الجينية الخاصة بكل نوع.

يحذر الخبراء من أن الادعاءات بتحقيق اختراق قريب في هذا المجال يجب أن تقابل بحذر شديد، فعملية الانتقال من الأبحاث المخبرية إلى التطبيق السريري طويلة الأمد، وتتطلب اختبارات صارمة وموافقات تنظيمية لضمان السلامة والفعالية.

فعندما يطلق القادة السياسيون تصريحات جريئة حول إنجازات طبية غير عادية، فإنها قد تلهم الجمهور وتحفّز تمويل الأبحاث، لكن في الوقت نفسه، قد تبسط العملية العلمية المعقدة وتخلق توقعات غير واقعية.

يأتي إعلان بوتين في سياق إستراتيجية روسيا لإبراز قدراتها العلمية على الساحة العالمية، بالرغم من انشغالها في الحرب على أوكرانيا، أما تركيز ترامب على لقاحات السرطان فيعكس رغبته في تحقيق “انتصارات” كبيرة في مجال الصحة العامة، وهذا يظهر رغبة كليهما في ترسيخ مكانة بلديهما العلمية وتعزيز القوة الناعمة حيث تسعى الدول إلى الريادة في المجالات الطبية والتكنولوجية.

وعلى الرغم من أن هذه التصريحات قد تحمل بعدا تنافسيا إلا أنها قد تحول العلم إلى أداة لتحقيق مكاسب سياسية. ثم أن تقديم لقاحات السرطان كإنجاز وطني قد يُقلل من أهمية الطبيعة التعاونية والدولية للأبحاث الطبية، فالسرطان تحد عالمي يتطلب تعاونا عابرا للحدود، وليس تنافسا، وغير ذلك قد يؤدي إلى عرقلة التقدّم الحقيقي في علاج السرطان، وهو ما سيكون ضارا بالجميع.

كما أن الوعود المبالغ فيها بتحقيق علاج قريب قد تؤدي إلى خيبة أمل لدى الجمهور إذا لم تتحقق الفائدة المرجوة منها، كما يمكن أن تحرف بوصلة الموارد بعيدًا عن مجالات أخرى مهمة في أبحاث السرطان، مثل الوقاية والكشف المبكر. علاوة على ذلك، قد يؤدي التسرّع في تحقيق إنجاز سياسي إلى الإضرار بالمعايير العلمية الصارمة اللازمة لضمان سلامة المرضى.

إنّ السعي لتطوير لقاح للسرطان هدف نبيل، لكنه يجب أن يظل قائما على أسس علمية وليست سياسية لحشد الدعم الشعبي ورفع مكانة القادة السياسيين في أوقات الأزمات السياسية والتوترات الدولية.

فالحكومات لها دور حيوي في تمويل الأبحاث وضمان الوصول العادل إلى الابتكارات الطبية، لكن يجب عليها احترام العملية العلمية، وأن لا تستخدم الإنجازات الطبية كأدوات سياسية، فالسرطان لا يعرف الحدود، وكذلك يجب أن تكون المعركة ضده.